🔥 اقتصاد ومعيشة
رمضان بلا أسطوانة
أزمة الغاز تشعل
الشارع السوري
طوابير الانتظار، السوق السوداء، وبنية تحتية مهترئة — ثلاثة أوجه لأزمة واحدة تطرق أبواب كل أسرة سورية
في الأسابيع الأخيرة من شهر شباط 2026، وفي توقيت أسوأ ما يكون — مع بداية شهر رمضان المبارك — وجدت ملايين الأسر السورية نفسها أمام مشهد مألوف ومؤلم في آن واحد: طوابير طويلة، وموزعون بلا مخزون، وأسعار تقفز في السوق السوداء إلى أرقام لا يتحملها ذوو الدخل المحدود.
🕵️ ما الذي جرى بالضبط؟
لم تكن الأزمة وليدة يوم واحد. بدأت تلوح بوادرها قبل نحو ثلاثة أسابيع حين لاحظ موزعو الغاز في محافظات عدة أن الكميات المخصصة لهم بدأت تتراجع تدريجياً دون إشعار مسبق. في بلدة جديدة عرطوز بريف دمشق، كان معتمد التوزيع يستلم 400 أسطوانة يومياً في الأوقات العادية، فإذا بها تنخفض إلى ما بين مئة ومئتي أسطوانة فحسب.
الجواب الرسمي جاء سريعاً وواضحاً: أحوال جوية سيئة أخّرت وصول ناقلات الغاز البحرية. وزارة الطاقة أكدت عبر مدير إعلامها عبد الحميد سلات أن الإمدادات مستمرة وأن ناقلتين — GAS MILANO ثم GAS HUSKY — كانتا في طريقهما لإكمال المخزون. لكن الأهالي في الشارع كانوا يعيشون واقعاً مختلفاً تماماً.
انتظرت خمسة أيام كاملة للحصول على أسطوانة واحدة. هذه الأزمة الأولى من نوعها منذ تحرير سوريا، وكنا نظن أن أيام الشح انتهت.
واردات الغاز عبر الأردن
السعة التخزينية الإجمالية
أعلى سعر سوق سوداء في درعا
📍 من دمشق إلى درعا: الجغرافيا الموجعة
الأزمة لم تُفرّق بين منطقة وأخرى. في دمشق العاصمة ارتفع سعر أسطوانة الغاز في السوق الموازية إلى 200 ألف ليرة — أي نحو 17 دولاراً — في حين كان السعر الرسمي يتراوح بين 120 و125 ألف ليرة. وفي ريف دمشق تعدّ الأرقام أقسى للمطاعم وأصحاب الحرف اليدوية التي تعتمد على الغاز بشكل مستمر. أما في درعا جنوبي سوريا، فقد سجّلت بعض المناطق أسعاراً وصلت إلى 500 ألف ليرة في السوق السوداء.
اللافت أن حلب وعاصمة الشمال لم تشهد ارتفاعاً كبيراً في الأسعار، إذ ظلت الأسطوانة تُباع في حدود 130 ألف ليرة، غير أن كثيراً من المعتمدين نفذت كمياتهم مبكراً. في المقابل، كانت اللاذقية الاستثناء الأهدأ، إذ لم تتأثر بشكل يذكر واستقر سعرها عند 120 ألف ليرة، ويعزو المراقبون ذلك لقربها من مرافق التفريغ البحري.
🗣️ أصوات من الطابور
اضطررت لشراء أسطوانة بسعر 350 ألف ليرة بعد أسبوع من الانتظار. ثلاثة أطفال وأنا أرملة — ليس عندي ترف الانتظار أكثر.
لا عدالة في التوزيع. بعض الأشخاص ممن لديهم معرفة يحصلون على ثلاث أسطوانات، وغيرهم ينتظر طابوراً لا نهاية له.
الغاز انقطع منذ أسبوع. أنتظر ساعات يومياً أمام المعتمد. في رمضان هذا معناه لا سحور ولا إعداد طعام.
🔬 الجرح الأعمق: بنية تحتية مهترئة
لكن التعمق في الأزمة يكشف أن الأحوال الجوية لم تكن سوى الشرارة، لا السبب الجذري. المشكلة تكمن في السعات التخزينية الوطنية التي لا تتجاوز 30 ألف طن وفق المعطيات الفنية المتاحة — وهو رقم يمثّل “الخاصرة الرخوة” لقطاع المحروقات في البلاد. هذه الكمية لا تشكّل احتياطياً استراتيجياً حقيقياً قادراً على استيعاب أي صدمة في الإمدادات، سواء كانت جوية أو لوجستية أو سياسية.
أضف إلى ذلك أن اعتماد سوريا شبه التام على التوريدات اليومية من الأردن براً — 350 طناً في اليوم — يجعل السوق رهينة أي اضطراب على طول المسار اللوجستي، من الميناء حتى معامل التعبئة وصولاً إلى المعتمد في آخر الحارة. وعندما تتزامن هذه الهشاشة مع ارتفاع استثنائي في الطلب كما يحدث في رمضان، تنفجر الأزمة بشكل تلقائي.
📅 جدول الأحداث

الحكومة السورية ليست غائبة عن المشهد. وزير الطاقة محمد البشير كان قد أعلن في أواخر 2025 خطة طموحة لمضاعفة إنتاج الغاز الطبيعي المحلي من 7.6 ملايين متر مكعب يومياً إلى 15 مليوناً بحلول نهاية 2026 — أي ضعف الإنتاج الراهن. وإذا تحقق هذا الهدف، فسيقلل الاعتماد على الاستيراد ويوفر هامشاً أوسع من الأمان.
لكن حتى تلك الخطط تتحقق، يظل المواطن السوري رهين المعادلة الصعبة: إمدادات يومية لا احتياطي فيها، وبنية تحتية تحتاج سنوات لإعادة تأهيلها، وطلب متزايد مع توسع رقعة سيطرة الدولة وعودة السكان إلى مناطقهم. الحل الجذري لأزمة الغاز في سوريا لن يأتي من ناقلة بحرية أو قرار طارئ، بل من استثمار حقيقي في قطاع الطاقة وبناء احتياطيات استراتيجية تحمي المواطن من كل عاصفة مقبلة.
قسد والحكومة | طريق الوحدة الوطنية
قسد والحكومة | طريق الوحدة الوطنية ⚑ ملف: الوحدة الوطنية السورية 25 فبراير 2026 🇸🇾 سياسة و…



















































