أزمة الغاز في سوريا | رمضان بلا أسطوانة

 

 

🔥 اقتصاد ومعيشة

رمضان بلا أسطوانة
أزمة الغاز تشعل
الشارع السوري

طوابير الانتظار، السوق السوداء، وبنية تحتية مهترئة — ثلاثة أوجه لأزمة واحدة تطرق أبواب كل أسرة سورية

25 فبراير 2026
تقرير ميداني
8 دقائق للقراءة
🔥

في الأسابيع الأخيرة من شهر شباط 2026، وفي توقيت أسوأ ما يكون — مع بداية شهر رمضان المبارك — وجدت ملايين الأسر السورية نفسها أمام مشهد مألوف ومؤلم في آن واحد: طوابير طويلة، وموزعون بلا مخزون، وأسعار تقفز في السوق السوداء إلى أرقام لا يتحملها ذوو الدخل المحدود.

🕵️ ما الذي جرى بالضبط؟

لم تكن الأزمة وليدة يوم واحد. بدأت تلوح بوادرها قبل نحو ثلاثة أسابيع حين لاحظ موزعو الغاز في محافظات عدة أن الكميات المخصصة لهم بدأت تتراجع تدريجياً دون إشعار مسبق. في بلدة جديدة عرطوز بريف دمشق، كان معتمد التوزيع يستلم 400 أسطوانة يومياً في الأوقات العادية، فإذا بها تنخفض إلى ما بين مئة ومئتي أسطوانة فحسب.

الجواب الرسمي جاء سريعاً وواضحاً: أحوال جوية سيئة أخّرت وصول ناقلات الغاز البحرية. وزارة الطاقة أكدت عبر مدير إعلامها عبد الحميد سلات أن الإمدادات مستمرة وأن ناقلتين — GAS MILANO ثم GAS HUSKY — كانتا في طريقهما لإكمال المخزون. لكن الأهالي في الشارع كانوا يعيشون واقعاً مختلفاً تماماً.

انتظرت خمسة أيام كاملة للحصول على أسطوانة واحدة. هذه الأزمة الأولى من نوعها منذ تحرير سوريا، وكنا نظن أن أيام الشح انتهت.

— مواطن من درعا
350
طناً يومياً
واردات الغاز عبر الأردن
30K
طن فقط
السعة التخزينية الإجمالية
500K
ليرة سورية
أعلى سعر سوق سوداء في درعا

📍 من دمشق إلى درعا: الجغرافيا الموجعة

الأزمة لم تُفرّق بين منطقة وأخرى. في دمشق العاصمة ارتفع سعر أسطوانة الغاز في السوق الموازية إلى 200 ألف ليرة — أي نحو 17 دولاراً — في حين كان السعر الرسمي يتراوح بين 120 و125 ألف ليرة. وفي ريف دمشق تعدّ الأرقام أقسى للمطاعم وأصحاب الحرف اليدوية التي تعتمد على الغاز بشكل مستمر. أما في درعا جنوبي سوريا، فقد سجّلت بعض المناطق أسعاراً وصلت إلى 500 ألف ليرة في السوق السوداء.

اللافت أن حلب وعاصمة الشمال لم تشهد ارتفاعاً كبيراً في الأسعار، إذ ظلت الأسطوانة تُباع في حدود 130 ألف ليرة، غير أن كثيراً من المعتمدين نفذت كمياتهم مبكراً. في المقابل، كانت اللاذقية الاستثناء الأهدأ، إذ لم تتأثر بشكل يذكر واستقر سعرها عند 120 ألف ليرة، ويعزو المراقبون ذلك لقربها من مرافق التفريغ البحري.

🗣️ أصوات من الطابور

👩

اضطررت لشراء أسطوانة بسعر 350 ألف ليرة بعد أسبوع من الانتظار. ثلاثة أطفال وأنا أرملة — ليس عندي ترف الانتظار أكثر.

أم محمد — جديدة عرطوز
👨

لا عدالة في التوزيع. بعض الأشخاص ممن لديهم معرفة يحصلون على ثلاث أسطوانات، وغيرهم ينتظر طابوراً لا نهاية له.

أبو يزن — سائق أجرة، دمشق
🏠

الغاز انقطع منذ أسبوع. أنتظر ساعات يومياً أمام المعتمد. في رمضان هذا معناه لا سحور ولا إعداد طعام.

أيمن من طفس — درعا

🔬 الجرح الأعمق: بنية تحتية مهترئة

لكن التعمق في الأزمة يكشف أن الأحوال الجوية لم تكن سوى الشرارة، لا السبب الجذري. المشكلة تكمن في السعات التخزينية الوطنية التي لا تتجاوز 30 ألف طن وفق المعطيات الفنية المتاحة — وهو رقم يمثّل “الخاصرة الرخوة” لقطاع المحروقات في البلاد. هذه الكمية لا تشكّل احتياطياً استراتيجياً حقيقياً قادراً على استيعاب أي صدمة في الإمدادات، سواء كانت جوية أو لوجستية أو سياسية.

أضف إلى ذلك أن اعتماد سوريا شبه التام على التوريدات اليومية من الأردن براً — 350 طناً في اليوم — يجعل السوق رهينة أي اضطراب على طول المسار اللوجستي، من الميناء حتى معامل التعبئة وصولاً إلى المعتمد في آخر الحارة. وعندما تتزامن هذه الهشاشة مع ارتفاع استثنائي في الطلب كما يحدث في رمضان، تنفجر الأزمة بشكل تلقائي.

📅 جدول الأحداث

مطلع شباط
بدء تراجع ملحوظ في كميات التوزيع في عدة محافظات. المعتمدون يلاحظون الانخفاض دون تفسير رسمي.
18 شباط
عنب بلدي ترصد الأزمة ميدانياً في دمشق وحلب ودرعا وريف دمشق ودير الزور. الشركة السورية للبترول تعلن وصول ناقلة غاز جديدة.
21 شباط
وزارة الطاقة تؤكد استمرار الإمدادات وتعزو الأزمة للطقس. تفريغ ناقلتين يكتمل خلال اليومين التاليين.
24 شباط
الجزيرة تنقل بدء انفراجة تدريجية في بعض المحافظات. لكن درعا لا تزال تعاني من شح ملحوظ رغم الوعود الحكومية.
🔭 إلى أين؟ رؤية المستقبل
ازمة غاز في سوريا
ازمة غاز في سوريا

الحكومة السورية ليست غائبة عن المشهد. وزير الطاقة محمد البشير كان قد أعلن في أواخر 2025 خطة طموحة لمضاعفة إنتاج الغاز الطبيعي المحلي من 7.6 ملايين متر مكعب يومياً إلى 15 مليوناً بحلول نهاية 2026 — أي ضعف الإنتاج الراهن. وإذا تحقق هذا الهدف، فسيقلل الاعتماد على الاستيراد ويوفر هامشاً أوسع من الأمان.

لكن حتى تلك الخطط تتحقق، يظل المواطن السوري رهين المعادلة الصعبة: إمدادات يومية لا احتياطي فيها، وبنية تحتية تحتاج سنوات لإعادة تأهيلها، وطلب متزايد مع توسع رقعة سيطرة الدولة وعودة السكان إلى مناطقهم. الحل الجذري لأزمة الغاز في سوريا لن يأتي من ناقلة بحرية أو قرار طارئ، بل من استثمار حقيقي في قطاع الطاقة وبناء احتياطيات استراتيجية تحمي المواطن من كل عاصفة مقبلة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *