
أول مسح وطني لدخل ونفقات الأسر سوريا
أول مسح وطني لدخل ونفقات الأسر سوريا
⏰ أول مرة منذ 2009
🌍 شراكة أممية
سبعة عشر عاماً من العمى الاقتصادي…
سوريا تفتح عينيها أخيراً على واقع أسرها
وقّعت هيئة التخطيط والإحصاء السورية مذكرة تفاهم تاريخية مع برنامج الأغذية العالمي لإطلاق أول مسح وطني لدخل ونفقات الأسر منذ عام 2009 — 17 عاماً قضتها سوريا في ظلام إحصائي كامل، وهي اليوم تمسك بزمام بياناتها من جديد.
تخيّل أنك تدير دولة بعشرين مليون مواطن دون أن تعرف كم يكسب متوسط الأسرة شهرياً، أو كيف تُنفق قرشها الأخير، أو أين يقع خط الفقر الحقيقي. هذا بالضبط ما كانت عليه الحال في سوريا منذ عام 2009. السياسات الاجتماعية تُرسم على الهواء، والدعم يوزّع بالتخمين، والخطط الاقتصادية تبنى على بيانات عمرها أكثر من عقد ونصف. اليوم، يبدأ تغيير هذا الواقع.
📋 ما هذا المسح تحديداً؟
وقّعت هيئة التخطيط والإحصاء السورية مذكرة تفاهم مع برنامج الأغذية العالمي بهدف تعزيز النظم الوطنية للأدلة من خلال مسح دخل ونفقات واستهلاك الأسر (HIECS) لتوفير بيانات اقتصادية واجتماعية دقيقة حول واقع الأسر في سوريا. وهو — الأول من نوعه في سوريا منذ عام 2009، إذ من المتوقع أن تسهم نتائجه في تقديم صورة أوضح عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي للأسر السورية ودعم عملية التخطيط وصنع السياسات.
بغض النظر عن اسمه التقني الذي قد يبدو جافاً وأكاديمياً، فإن هذا المسح هو في جوهره نبض الاقتصاد الشعبي — الطريقة الوحيدة الحقيقية لمعرفة كيف يعيش السوري العادي ويموت اقتصادياً. إنه يسأل الأسرة: كم تكسب؟ كم تنفق وعلى ماذا؟ هل تأكل ثلاث وجبات يومياً؟ هل تستطيع إرسال أطفالك إلى المدرسة؟ هل تصل خدمات الصحة إليك؟
⏳ لماذا توقف المسح 17 عاماً؟
سؤال بسيط يختزن بداخله تاريخاً مؤلماً كاملاً. آخر مسح وطني لدخل الأسر أُجري في سوريا كان عام 2009 — في الوقت الذي كانت فيه البلاد لا تزال دولة ذات استقرار نسبي، وإن كانت تخفي تحت سطحها ما ستفجره الأحداث لاحقاً.
جاءت الثورة عام 2011 وما تلاها من حرب طاحنة لتُجمّد كل شيء: المؤسسات انهارت أو تشظّت، والمكتب المركزي للإحصاء فقد قدرته على العمل الميداني في مناطق شاسعة من البلاد، فيما بات الوصول إلى عينات سكانية ممثّلة مهمة شبه مستحيلة في ظل الحرب والنزوح والتشتت. على ما يبدو، الحرب لا تدمر المدن والأرواح فقط — بل تدمر أيضاً البيانات والذاكرة الاقتصادية للأمم.
- 🔴 لا بيانات موثّقة عن دخل الأسر منذ 2009
- 🔴 السياسات الاجتماعية تستند إلى تقديرات
- 🔴 المساعدات الدولية تصل بشكل عشوائي
- 🔴 خط الفقر غير معروف رسمياً
- 🔴 استحالة قياس التعافي الاقتصادي
- 🟢 صورة واضحة عن الدخل والإنفاق الأسري
- 🟢 سياسات حماية اجتماعية مبنية على أرقام
- 🟢 توجيه دقيق للمساعدات للأكثر احتياجاً
- 🟢 خط فقر وطني محدّد وموثّق
- 🟢 قاعدة لقياس التقدم الاقتصادي مستقبلاً
🤝 الشراكة: من يقف وراء هذا المشروع؟
وقّع مذكرة التفاهم رئيس الهيئة أنس سليم مع المديرة القطرية للبرنامج في سوريا ماريان وارد، في مقر الهيئة بدمشق، بحضور وزير المالية محمد يسر برنية.
“نتائج المسح ستساعد البرنامج وشركاءه على تصميم تدخلات أكثر دقة، بما يضمن وصول المساعدات إلى الفئات الأكثر احتياجاً.”
— ماريان وارد، المديرة القطرية لبرنامج الأغذية العالمي في سوريا
🔬 كيف سيُنفَّذ المسح؟
من المقرر أن يبدأ العمل الميداني خلال الربع الثاني من العام الحالي، ويستمر لمدة 12 شهراً لضمان مراعاة التغيرات الموسمية في الدخل والإنفاق، وسيتم استخدام أجهزة لوحية في جمع البيانات لتعزيز الدقة وتسريع عمليات التحليل.
المدة الزمنية الطويلة — 12 شهراً كاملة — ليست ترفاً أو إطالة بلا مبرر. فالاقتصاد الأسري يتغير بحسب المواسم: في الخريف يرتفع دخل المزارعين، وفي رمضان يتضاعف الإنفاق الغذائي، وفي الصيف تنتعش بعض القطاعات السياحية الناشئة. لذلك يحرص المنفّذون على التقاط هذه التذبذبات الموسمية بدلاً من الحكم على الصورة من لقطة واحدة.

📐 التصميم العلمي للمسح
يتضمن المسح خطة وطنية تتضمن تصميم العينات واستبيانات جمع البيانات بدقة لتكون النتائج موثوقة. والعينات في هذا السياق تعني الاختيار العلمي لأسر ممثّلة من مختلف المحافظات والريف والحضر ومستويات الدخل المختلفة — وهي مهمة تحدياتها في سوريا واضحة نظراً للتشتت السكاني الهائل وعودة المهجّرين المتدريجة.
📈 ماذا ستقول لنا الأرقام عن سوريا اليوم؟
هنا تكمن المفاجأة الحقيقية. التقديرات الدولية المتاحة — رغم أنها تقريبية وغير موثّقة ميدانياً — تُشير إلى أن نحو 90% من السوريين باتوا تحت خط الفقر وفق تعريفات الأمم المتحدة. إنها نسبة مذهلة تعكس انهياراً اقتصادياً غير مسبوق في تاريخ المنطقة.
على ما يبدو، الواقع أشد قسوة مما تعكسه هذه التقديرات. فما يراه زوار المدن السورية اليوم من نشاط في الأسواق وعودة للحياة يخفي وراءه طبقات من البؤس الاقتصادي الصامت في الأرياف والمخيمات والمناطق النائية. المسح هو البوصلة التي ستحدد هذه الفجوة بدقة.
💡 لماذا هذا الحدث مهم رغم أنه “مجرد إحصاء”؟
ثمة ميل طبيعي لدى المتابع العادي لتجاهل الأخبار الاقتصادية التقنية مقارنة بأخبار المعارك والسياسة. لكن هذا المسح — في رأي كثير من الاقتصاديين ومنظمات التنمية — أهم خطوة عملية أُعلن عنها في سوريا منذ سقوط النظام.
السبب بسيط: لا يمكن بناء دولة دون معرفة واقع مواطنيها. كل وزير اجتماعي يريد بناء شبكة حماية، وكل بنك مركزي يريد رسم سياسة نقدية، وكل منظمة إنسانية تريد توجيه مساعداتها — يحتاجون جميعاً إلى هذه البيانات. المسح يعتبر نظاماً مراقباً لواقع الأسر في سوريا، موفراً مؤشرات مهمة حول الإنفاق والأسعار والأمن الغذائي والفقر، مما يمكن من توفير الدعم الاقتصادي والاجتماعي للأسر الأكثر احتياجاً.
وثمة بُعد سيادي لا يُستهان به. من المقرر، بعد الانتهاء من مسح دخل ونفقات الأسرة، تنفيذ المسح الاقتصادي المتكامل ضمن جهود تعزيز قاعدة البيانات الاقتصادية الوطنية. بمعنى آخر، هذا المسح هو البداية لا النهاية — إنه اللبنة الأولى في بناء منظومة إحصائية وطنية حديثة كانت سوريا تفتقر إليها منذ عقود.
🔮 الخلاصة: رقم يساوي ألف سياسة
في كل حرب، يكون أول ما يُدمَّر هو الحقيقة — حقيقة الأرقام وحقيقة البيانات وحقيقة واقع الناس. استعادة هذه الحقيقة من خلال مسح وطني ميداني شامل هي فعل سيادي بامتياز. إنها سوريا تقرر أن تنظر إلى نفسها في المرآة وتقول: هذا ما أنا عليه، وهذا ما أريد أن أبني عليه.
النتائج — حين تصدر بعد عام من الآن — ستكون مفاجأة للجميع، حكاماً ومانحين ومواطنين. على ما يبدو، السوري العادي يعيش واقعاً أكثر صعوبة وأكثر تعقيداً مما تصوّره أي تقديرات خارجية. الرقم الحقيقي — حين يخرج للنور — سيكون أمانة في أعناق صانعي القرار، وامتحاناً صارماً لما إذا كانت الدولة الجديدة قادرة فعلاً على تحويل البيانات إلى حياة أفضل.
