
أمن ومكافحة إرهاب
كشف مصدر أمني رفيع المستوى أن قوات الأمن الداخلي السورية نفّذت عملية دقيقة ومحكمة التخطيط في عدة أحياء بمدينة الرقة، أسفرت عن القبض على عدد من عناصر الخلية التي كانت تعمل سراً لاستهداف نقاط التفتيش والمنشآت الأمنية في المدينة. وأشار المصدر إلى أن العملية جاءت نتيجة مراقبة ميدانية دقيقة وجمع للمعلومات الاستخباراتية امتدت لأسابيع قبل تنفيذها.
بحسب المعلومات المتاحة، كانت الخلية الإرهابية تعمل بأسلوب خلايا النوم، وهو نمط عمل اعتمده التنظيم في مراحل تراجعه العسكري، إذ تتمركز عناصره بين المدنيين وتعمل بسرية تامة إلى حين تلقّي التعليمات بتنفيذ عمليات نوعية. وقد أشار مسؤولون أمنيون إلى أن الخلية كانت تتلقى توجيهات وتمويلاً من قيادات التنظيم في مناطق نائية أو عبر الفضاء الإلكتروني.
وأفادت المعلومات بأن عناصر الخلية استهدفوا حاجزاً أمنياً في أحد مداخل مدينة الرقة، ما أوقع ضحايا في صفوف عناصر قوى الأمن. وردّاً على ذلك، شرعت الأجهزة الاستخباراتية فوراً في تتبّع المنفّذين وتحديد هويات بقية أفراد الشبكة التي يُرجَّح أنها تضمّ عناصر من ذوي الخبرة القتالية السابقة مع التنظيم.
تُعدّ مدينة الرقة، التي كانت “عاصمة” تنظيم داعش المعلنة بين عامَي 2014 و2017، من أكثر المناطق حساسيةً أمنياً في سوريا. ورغم هزيمة التنظيم عسكرياً، لا تزال خلاياه النائمة تُشكّل تهديداً دائماً للاستقرار الأمني في المنطقة.
منذ انهيار ما أسمته بـ”الخلافة الإسلامية” عام 2019، انتقل تنظيم داعش من نموذج الدولة العسكرية التقليدية إلى نموذج التمرد المسلح وشنّ الهجمات من خلال خلايا صغيرة ومتفرقة. وقد وثّقت تقارير دولية متعددة صادرة عن الأمم المتحدة ومراكز بحثية مختصة مسار هذا التحول التنظيمي، محذّرةً من أن التنظيم لا يزال يمتلك آلاف المقاتلين الناشطين، موزّعين في البادية السورية وصولاً إلى مناطق شمال أفريقيا والساحل الأفريقي.
وفي السياق السوري، تواصل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وأجهزة الأمن السورية الحكومية عمليات مشتركة لاستهداف بؤر التنظيم المتناثرة، غير أن محدودية الموارد وتعدد الجهات الأمنية يجعل التنسيق تحدياً قائماً.
خرجت مدينة الرقة من تحت سيطرة داعش عام 2017 في حملة عسكرية مدمّرة، خلّفت وراءها بنية تحتية مهدّمة وعشرات آلاف النازحين. ومنذ ذلك الحين، تسير مسيرة إعادة الإعمار ببطء ملحوظ، في ظل شُح التمويل الدولي وتضارب الصلاحيات بين الإدارات المحلية المختلفة. ويرى سكان المدينة أن الاستقرار الأمني شرطٌ لا غنى عنه لأي انطلاقة تنموية حقيقية، مؤكدين أن العمليات كهذه تمثّل رسالةً طمأنينة لهم.
وعلى الرغم من التحديات الجسيمة، تشير التقارير الميدانية إلى عودة تدريجية للحياة إلى الأسواق والمدارس في الرقة، كما يُسجَّل نشاط متزايد في قطاعَي البناء والتعليم. ويبقى الوضع الأمني أولوية قصوى، لا سيما في ظل احتمالات توظيف التنظيم لمناخ عدم الاستقرار الإقليمي لإعادة تمدّده.
أعلن مسؤولون أمنيون أن التحقيقات مع الموقوفين جارية لاستجلاء حجم الشبكة الكاملة ومعرفة مصادر تمويلها وقنوات تواصلها. كما أكّدوا أن عمليات المراقبة والتمشيط ستتواصل في المناطق المشبوهة، مع تعزيز التنسيق مع الوحدات الأمنية الأخرى في المحيط الجغرافي للمنطقة.